Your browser does not support script


 

 

 

 

 

سلسلة محاضرات فكر في البحر المتوسط - البحر المتوسط بين الثقافات

 ينظم مركز دراسات البحر المتوسط التابع لمكتبة الإسكندرية سلسلة من المحاضرات تضم خبراء منطقة البحر المتوسط تحت عنوان "فكر في البحر المتوسط"، منطقة البحر المتوسط بين الثقافات. المحاضرة الثانية بعنوان البحر المتوسط في قصص للأستاذ تيري فابر و الياس خوري.

WPD 3

Activités de diffusion du savoir et de l’expertise des sciences humaines sur la Méditerranée

Conférence

Penser la Méditerranée
La Méditerranée en récits
, Thierry Fabre & Edouard El Kharrat

 

11 juin 2006, Alex-Med, Bibliotheca Alexandrina, Alexandrie, Egypte

Voir diaporama


Texte de la conférence d'Edouard El Kharrat

إدوار الخراط
أنا والبحر الأبيض المتوسط

Télécharger le document au format PDF


Revue de presse:


Al-Masry El-Yom
,
Tuesday, June 13, 2006

 

Vidéo Vidéo
Edouard El Kharrat Édouard El-Kharrât est né à Alexandrie en 1926. Alexandrie terre de safran est son premier roman traduit en français. Le second traduit, Les pierres de Bobillo, a été publié en 1999 chez Actes Sud. Auteur de recueils de nouvelles et de romans, depuis sa première publication en 1954, il est un chef de file de la littérature arabe contemporaine.
"Édouard el Kharrat [prend] le contre-pied du cosmopolitisme, il décrit l’Alexandrie de l’Égyptien asli, de souche" (P. Balta, Petite histoire d'Alexandrie: L'Alexandrie moderne, Site BabelMed)

Edouard El KharratALEXANDRIE, TERRE DE SAFRAN, Actes Sud, 1997, 253 p.

 

Thierry Fabre est responsable du Pôle Euromed à la Maison Méditerranéenne des Sciences de l’Homme où il coordonne le Réseau Ramses². Il est également écrivain et rédacteur en chef de La pensée de midi.
 

Thierry Fabre et Robert Ilbert (eds) Les représentations de la Méditerranée, Maisonneuve Larose, Paris, 2000.


 

 N°12 Egypte(s)
Egypte(s) littératures,
Dossier dirigé par Stéphanie Dujols et Richard Jacquemond

 

 

إدوار الخراط

أنا والبحر الأبيض المتوسط

 

ليس البحر الأبيض عندي مقابلاَ – أو رمزاَ أو شفرة – للأم، أو المرأة، لأرتمي فى مياهه كما يرتمي الرجل في أحضان امرأته الحنون الرحيمة، أو كما يلوذ الطفل بحجر أمه الرؤوم ، ليست أمواجه مما ألقي بنفسي إليها، مطمئناَ، ناعم الحس بالراحة والاستسلام لهدهدتها في عناق مجالدة الحب.

ومع افتناني به، وسحره الذي يوقعه بي، فكأنه أبّ صارم حتى في لحظات هدوئه وسجو مياهه، إنه كيان قلق ومقلق، غاضب حتى في رقرقته الوديعة، عميق لا أعرف – ولن أعرف أبداَ – غور أعماقه وما يخفيه تحت صفحته الساكنة أو الجياشة على السواء، ولكني لا أستطيع أن أنأى بنفسي عن غوايته، وما أزال أقترب منه – على حيطة وحذر – ثم أنأي.

نداءات هذا الكيان لا تني تهاجمني، السيرينات لا يتوقفن عن الغناء/ والإغراء وما من جدوى في أن أصم أذني بالشمع أو أوثق نفسي بالحبال، كما فعل نوتية يوليسيوس.

صدمة أمواجه في أحجار الميناء الشرقية البيضاء ما تزال أصداؤها في جنبات روحي، منذ أيام الصبا الباكر، ومازلت أحس رذاذ مائه في الأصباح الشتوية مشرقة الشمس يطسّ وجهي ويبلل عنقي المفتوح.

وما تزال صفارات البواخر في الميناء تدّوي في ليل الذكريات الطويل، عميقة موحشة ومعزية معاّ تصلني في سريري فى راغب باشا البعيدة عنها وأنا أقرأ جوزيف كونراد و رابندرانات طاغور، في منتصف ليلة رأس السنة، تحت اللحاف الثقيل، كأن البحر الأبيض في غرفتي يرقب أحلام الصبي الذي كنته – ولعلني ما زلته – يحلم بالحب والمعرفة والشوق إلى مهاجمة لغز الكون.

في الأيام التي كنت أري نفسي فيها شاعراً، كنت في أصباح الشتاء النقية يوم الجمعة، أنزل وحدي إلى خليج ستانلي. كانت عيناي تحتفلان بعساليج النبات على الجدار المنبسط الناعم الذي يطل على البحر، الأعشاب الملتصقة بالجدار تحمل إليّ رسالة رومانتيكية مهتزة الأطراف، من جمال الكون، تعذّب قلبي وتواسيه معاً، أنزل على سيف الرمل، أمشي على شط الصخر، أشارف حافة الموج، ويرشّني رذاذه، وأنا أغوص في تهاويم دوّامات معاشقي الصبيانية – ما أحرّ لوعتها حتى الساعة – وفي تهاويم دوّامات الماء المزبدة الصغيرة وتخاييله في أغوار ضحلة بين نقر الصخور ونتوءات الحجر، حيث السماء مصغرة متموجة محبوسة ورقراقة في وهدات مسطحة قريبة القيعان، أو أراقب نهك البحر مرتمياً مستنفداً على الرمل بزبده المرغيّ ووشيشه العنيد، مرة بعد مرة بلا انتهاء. وأفكر بغموض في أن هذه الأمواج، وهذه الصخور والرمال كلها أبدية، وأنها كانت هنا قبل أن أراها بدهور سحيقة وستظل هنا بعد أن أذهب بدهور سحيقة. ألم أكن أرى نفسي شاعراَ؟

كانت ترتفع من مرآة البحر الرصاصية اللون صخرة ناتئة عريضة، قلت: "كأنها صخرة الواقع تصعد من أمواج أحلام وأشواق ما أشد سذاجته". رأيتها مكسوة بأكملها بالنوارس، كأنما حطت عليها سحابة كثيفة مبطنة بالريش الأبيض، ساكنة عليها، متشبثة بها. النوارس متجاورة متزاحمة، الجسم المطويّ يلتصق بالجسم المطويّ، وقد أحنت رؤوسها، وأدخلت مناقيرها الطويلة في صدورها، محنية الظهور، أجنحتها مطبقة إلى جانبها. كانت كلها تبدو ناعمة أنثوية، فلذات بيضاء من لحم أنوثة العالم، تمنيت لو خضت إليها غمار البحر، ورميت بنفسي في لدونة حنوها الدافئ.

ألوان البحر الأبيض قد أخذت تتخطط، أمام عينيّ، بنفسجية وزرقاء وبيضاء فضية مشعّة، تحت سحاب أبيض تختفي الشمس وراءه، وتضيئه باحمرار سائل مشاع، هدوء البحر عميق، صفحته مبسوطة لا تكاد تترجرج، وشوشة الموج الذي يترقرق، على مهل. خفيضة وروتينية الإيقاع، أسمع صوت الصمت المطبق، تطرزه وتنمنمه، فجأة، زقزقة العصافير التي تتواثب على الرمل الطري، وتنقر العشب اللزج والودع والصدف الحيّ بمناقيرها الصغيرة السريعة. ومن بعيد صدى نداء يتردد على الكورنيش (سيّد...حسونة..) لا يكاد يُسمع. وعلى آخر المدى أرى عاشقين غامضين على الرمال العذراء. في هذا الفجر. أي هيام لا يقاوم؟ أية رغبة مبهمة وخرساء، مطلقة، تدفعهما يمشيان على هذا الشط الموحش الملول؟

عند التقاء الرمل بالموج خط الطحلب الأخضر الذي يبيض حينما ينحسر عنه الماء، غض ويابس على التوالي. بلا توقف، قلت لنفسي: "أبديّ، دائم، أمام فنائنا وانتهائنا".

الشاطئ طويل هشّ مشدود، ملقى بين الفراغ والملء، رابض يموج بالحياة بين الأبيض المتوسط والصحراء الليبية، خصر هضيم ضامر مسحوب، قابل للانكسار في أية لحظة، في أية بقعة، لا بؤرة له يتكثف وراءها ويحميها بنطاق وراء نطاق من الحواجز الواقية. ولكنه لا ينكسر، عبر الأزمان السحيقة لا ينكسر، من الفراعنة إلى الإسكندر، من البطالمة إلى العرب، وحتى الآن، لا ينكسر، خط متموّج يقع على حرف هوّة لا قرار لها، أمواجه متلاطمة، وحتى عندما ما تهدأ – في وهمي – فهي خادعة، لأنها دائماً مهددة بالعصف وضاربة بجبال الماء. سحرها جذاب لا يقاوم، وجمالها لا يمكن أبدا الإحاطة به ولا الانتهاء من تملّي مفاتنه. قوية الأذرع ممدودة إليّ، تدعوني دعاء لا أعرف كيف أصده، وهو مع ذلك دعاء في الاستجابة له وقوع القضاء الذي لا مردّ منه، على هذه الحافة الهشة القلقة، بين الحياة والعدم، وطني الذي لا أعرف كيف أستقر إليه.

كنا في أواخر سبتمبر، وشمس بعد الظهر تصنع على صفحة البحر، تحتي، ملايين النقط اللامعة التي تبرق وتختفي وتعشي عيني، ورقة الماء تحتها عميقة وداكنة وكثيفة الشفافية في الوقت نفسه، فأمد بصري من نافذة كازينو كليوباترا العالية المفتوحة إلى الأفق الغامض في اتصاله بخط السماء المهتز بالضوء عندما رأيتها.

كانت، هي في حضن البحر الأبيض، كانت، هي على العكس منّي، في سياقها الآمن، تسبح تحت النافذة بالمايوه الأزرق الفاتح، محبوكا عليها، لامعا تحت سيولة الموج الخفيف الذي يترقرق عليه وينحسر في حركتها الناعمة، ذراعاها لا تكادان تصنعان رغوة في انزلاقها المنساب على الماء. عرفتها. جسمها فاتح السمرة وغضّ، ولما يكاد يكتنز بأنوثته التي تتفتح وتزدهر، في أول امتلائها الباكر، ولكنها أصغر سنا بكثير، فتاة بعد، ولها رشاقة سمكة في الماء.

خفق قلبي، وتوقف. من هي؟ هل هي أخت لها، صغيرة، لم أرها من قبل؟ كنت موقناَ أنها هي، هي، أم هي الأخرى التي سوف أعشقها، وأتوهم أنني أفقدها. تعلقت عيناي بها، مسحورا وغائبا، وعندما انقلبت على ظهرها، تطفو فوق الماء، رأيت وجهها المدوّر الخمريّ، مغمّض العينين تحت الشمس، طافياً إليّ، وكان شعرها الخشن الوحف قصيرا حول رأسها مبلولاً وداكن السواد، أعرف حرافة عبقه المسكر، خدّاها الأسيلان يومضان في استدارة رخيمة كاملة تحت الماء، وهي تبتعد. وعرفت أنني سأحبها، في آخر العمر، حباً كأنه الموت، وأن قلبي هو ساحة بحرها اللجّيّ الجيّاش أبدا بأمواج لا هدوء لها، وقلت: "أليس هذا هو أيضا بحري الأبيض المتوسط؟ هل هو بحر النار؟ أم بحر الظلمات؟"

أرى الولد، صغير الجسم، ساقاه رفيعتان في الشورت الأبيض الواسع، وقميصه مفتوح. عيناه كأنما فيهما نظرة متأملة، مبكرة كثيرا عن سنه، وهو يقف في أول الصبح على حافة البحر الموحش، عند المندرة.

أمامه صفحة ساكنة وشاسعة، مشعة ولا تكاد تترقرق، دسامة بيضاء في الضوء الذي يكاد يكون شتوياً، تنتهي برغوة شفافة تغوص في الرمل بوشيش خفيض، متكرر.

وأحس، عبر السنين الطويلة بالنداوة اللينة تحت قدميه الحافيتين، والهواء المبلول على وجهه.

وأجد أن الشوق، مثل نزوع الموج، يرتمي على الشط ممدود اليدين، بلا تحقق، مثل اندفاع الماء، مستنفداً بعد رحلة طويلة على ثبج العمر، ينكص محسوراً أبدا إلى عرض اليم العميق، ولا يفتأ يعلو وينحسر حلمه يأتي ويعود، لا يهدأ إلى راحة، وكأنه لم يترك خط النهاية المتعرج، لحظة واحدة.

في تلك الساعة لم يكن هناك غيره على الشاطئ الواسع.

كنت أحس نفسي وحيدا جدا، وهواء البحر يأتي على وجهي حارا ثم رطبا على التعاقب، مرة بعد مرة، ومحمّلا برائحة الماء الملحية، أضاءت أعمدة النور على الكورنيش، معاً مرة واحدة، بقعاً مستديرة بصفرة وهاجة إزاء نسيج السماء داكن الزرقة الذي ما زال في طرفه احتراق الغروب، يسود بالتدريج، ونور المصابيح المهتز يقع على أسفلت الكورنيش وعلى ظهور السيارات اللامعة التي تمرق بصمت وسرعة متباعدة وقليلة، لتختفي في انعطاف الطريق، عند الكازينو البعيد.

أمام الكابينة مباشرة التفتّ فجأة فرأيت جسمها يدور تحت عجلات السيارة، أمامي، ناعماً و لدناً بدون مقاومة، فستانها يطير ويتقلب تحت السيارة، والذراعان تهتزان، والجسم يلتف مع العجلات مرة ومرتين.

أحسست العجلات المسرعة تطأ عظامي نفسها.

وسمعت صرخة ثاقبة في سكون الغروب.

ما من جدوى للسؤال: لماذا القسوة؟ لماذا الموت؟

كأن هذا الصبيّ مازال يسأل.

وبطبيعة الحال ليس هناك من إجابة.

ها هي أسطورة البحر الأبيض عندي شخصية وحميمة، نابعة من "الواقع" أيا كان معنى "الواقع" ومنحدرة من تراث عريق ما زال يمور بالحياة، تراث مصري وهيلليني وجاهلي ومن ألف ليلة وليلة والسندباد الذي ضرب في بحارها، هذه أسطورة تتنفس في جو المتخيل الشخصي الداخلي، تتحور وتتغير وتخلع غلالاتها السبع أو ترتدي أقنعتها السبعة على السواء، في حرية كاملة، وهي مه ذلك تحتفظ بجوهرها الذي لا أعرف أن أفض سره. أسطورة لها قسمات معاصرة ولكنها أبدية.

أسطورة البحر الذي أحبه وأرهبه، أخلقها من جديد، وأجد أنها أزلية كانت منذ بدء الزمان، ومعها أخلق نفسي أو أعيد خلق نفسي من جديد، في كل لحظة، وأجد أنني أوجد في اللا زمن.

البحر الأبيض عندي لا يقع فقط في الجغرافيا ولا في التاريخ، ليست له – فقط – اركيولوجيا وثقافة وحضارة، ليس هو – فقط – ملتقى حضارات ومسرح صراعات، هو عندي فوق ذلك سؤال متصل، سؤال ميتافيزيقي وحميم: هل هو الجهول الذي لا سبيل قط إلى معرفته؟ أم هو الأبدية التي لا شطآن لها، هو حالة من حالات الروح، وهو من ثم جوهر شعري.

عندي كنت في السابعة من عمري – كنا نقضي شهور الصيف في "أبو قير" التي كانت ضاحية بعيدة هادئة وخالية تقريباً، لا يؤمها إلا العائلات المتوسطة أو الفقيرة، وكان شاطئ البحر هناك وديعاً وجميلاً، أخذني خالي حنين (الذي أسميه أحياناً ناثان) وذهبت معه داخل البحر قليلا، وكان يريد أن يعلّمني كيف أسبح وحدي، وقال: "اضرب بذراعيك وساقيك وارفع رأسك مع كل ضربة ذراع لكي تتنفس"، ثم ألقاني في الماء.

لم أضرب بذراعي وساقي، بل غصت في الماء، أحسست أن البحر عميق غائر بلا قاع، وغطست، وشهقت، وامتلأ صدري بالماء، اختنقت، وعرفت أنني قاربت الموت، بل عرفت الموت.

ألهذا يرتبط الأبيض عندي دائما بالموت؟

ألهذا ظللت أبغض الأبيض، ويغويني، ومازلت أحاذره مع أنني مفتون به؟

الاتصال الوثيق بين الجسم الحيّ المتوفز النابض وبين عمق اللا محدود اللا نهائي.

الهامش الهش المشدود بين الحسي العيني الآني وبين المجرد المطلق، بين الجسماني الملموس وبين الما وراء الواقع واللا واقع، بين الخواء وأحاشد الموار بعرامة الشهوة والشبق.

ما أبعد هذا الحس عن الوقوع في خطر الفولكلور المكرور أو السنتمنتالية المائعة أو التهويم "الشعري" الخاوي.

هو حس متجسد وضارب في اللا نهاية في وقت معاً، رؤيا من لحم ودم.

في "المكس" كان البحر فسيحا، والرائحة المميزة لليود وبقايا السمك وعطن الطحالب تفعمني، هاهو ذا الأبيض، من غير رموز، من غير شفرة، قلت هل يمكن حقا تجريده من رمزيته؟

مراكب الصيد الصغيرة بأشرعتها الضيقة تهتز على الموج الذي يكاد يكون مسطحا، وداكن الزرقة. رأيت الصيادين بالصديري واللباس الاسكندراني الأسد الواسع الطيّات، يبسطون شباكهم وينفضونها من السردين، فيتتابع ويصطدم ويرتطم بخبطات طرية دسمة، ويسقط على الكومة الفضية التي ترتعد مازالت بالحياة، في قاع المركب. ينحني الصيادون ويلقون بالسمكات الصغار إلى البحر، والأولاد بأجسامهم المحروقة يسبحون حول المراكب، منهم العراة تماما ومنهم من اكتفى باللباس العبك المتهدل الذي يكاد ينزلق من على وسطه، يغوصون، برؤوسهم أولا، ويخرجون على الفور وفي أيديهم السمكات الصغار التي رماها الصيادون تضطرب وتتملص وتتلوي وتنزلق، فيرمونها في أكياس مرتجلة من الخيش الغامق المبلول يشر منها الماء كلما خرجوا يشقون سطح البحر. الحجر الذي رماه البناءون يصبح حجر الأساس. النوارس الرمادية ضخمة الأجنحة تنقض فجأة من عل وتخطف صيدها من المراكب، ومن أيدي الأولاد، صدورهم المخسوفة بلمع جلدها مشدوداً على العظام الناتئة، ترتفع وتنخفض باستمرار، وتحلق النوارس ظافرة، صاعدة في خط مستقيم، وهي تنعق مهددة، غاضبة أو خائفة.

قلت: "ليس البحر الأبيض، فقط، استعارة شعرية، أو نوستالجيا رومانتيكية، الجوع والفقر والكفاح من أجل البقاء على شاطئه الجنوبي ليس حلما، وليس هذا الشاطئ فقط، منتجعا للبورجوازيين وأثرياء الخليج وحيتان الانفتاح المصريين، صخرة النوارس من جليمونوبولو إلى المكس، صخرة صلبة مهما كان ترابها من زعفران".

كنت قد أخذت ترام المكس المفتوح من الجانبين، وكان ألم الحب، والغيرة، والامتهان يعتصرني، للألم رائحة المدابغ النفاذة العطنة التي خنقتني، ولم أكن واثقا أنها سوف تأتي، كنت قد تيقنت الآن أنها لن تأتي، أقف غير مدرك تماما ماذا يقع لي، تحت سور القلعة القديم بأحجاره الكبيرة الرمادية، يرتفع إلى يساري شاهقاً يحجز انهيارا دائم الحدوث، لا يحجب هذا الانهيار إلا كلماتي التي أخرج بها من قاع البحر، وكأنني لا أرى البيّاعين والصيادين جالسين القرفصاء، أمام مشنّات ومغالق وقفف تفيض بالسردين والبوري والمياس والجمبري والكابوريا، أحاذر أن أدوس على أجسام السمكات الصغار المنفية، مثل كلماتي، مهروسة على الرصيف مسطحة، انبعجت من أبيضها بروزات مدماة باهتة عند البطن والرأس المدعون المسوّى بالأرض.

كان كل شئ يبدو معادياً، وقريبا جدا مني، كازينو زفير بخشبه الأخضر الداكن وزجاجه المغبّش يلوح لي غير بعيد، كذلك مزلقان سكة الحديد وعليه بالخط الثلث الكبير، "ثابت ثابت وشركاه نترات الشيلي الطبيعي". كانت هذه الكلمات تجعلني أحلم باستمرار منذ أن كنت أجئ مع خالي حنين الذي أسمّيه خالي ناثان إلى الكازينو، ونأكل السمك بالليمون والبصل والبهارات في ورقة دسمة طالعة سخنة من الفرن. البيت ذو الشرفات العربية المنمنمة الذي تعرفته، حائلا وشكله مهجور ولكنه هو، بعد ذلك بأربعين سنة، فندق سي جل – لم يكن عندئذ مطعما مزخرف الأناقة يرتاده البورجوازيون، بل كان مبنى مصمت الجدران رمليّ اللون مغويا وغامضا مغلقا على أسراره المشبوهة.

عندما رجعت من "المكس" ومررت بصهاريج البترول الكبيرة والشعلة المتقدة المتطايرة التي لا تنطفئ، رأيت على سيف البحر صفا من العساكر الأفريكان الشداد يقفون وظهورهم لنا، ينظرون في اتجاه البحر، شاكي السلاح – مشدودين، هل كان ذلك في العام 1942- ؟ هل كان روميل على رأس الفيلق الأفريقي يقف على أبواب العلمين؟ أم كان المد النازي قد انحسر راجعا على شاطئ البحر الأبيض، يتعقبه "فيران الصحراء" الإنجليز، والفرنسيون أنصار ديجول؟ كانت البارجة الإنجليزية شاهقة بيضاء راسخة في البحر، ومشرعة مدافعها نحو مراكب حربية صغيرة رأيت عليها حروفا باليونانية والعلم الأحمر يرفرف من بعيد، كأنما باستماتة، على صاريها. العلم الأحمر صرخة عالية حيناً وخافتة حيناً لكنها لا تنطفئ أبدا، رأيت صفا من العساكر بخوذاتهم وأقنعتهم الزجاجية التي لا ينفذ منها الرصاص، مدججين، يسدون الشوارع الضيقة التي ذرعها الأنبياء والشعراء، والحالمون، على الشواطئ الجنوبية في الإسكندرية وفي "المدن الخامسة" التي تدين بالولاء لبطاركتها، وعلى الشواطئ الشرقية القدس ورام الله والناصرة وبيت لحم والخليل، يقذفون الأطفال بالرشاشات السريعة الطلقات والقنابل المسيلة للدموع، هم أيضا يحيطون بالكتلة الحجرية، النصب الدائري الجرانيتي الذي يلمع بالليل في قلب ميدان التحرير، ويضربون الأولاد والبنات بالهراوات، هم أنفسهم، في الشمال البارد يسوقون الأسرى إلى عربات السكك الحديدية المغلقة الخانقة وإلى الخنادق الموحلة المثلجة في وارسو وسيبيريا وغرف الغاز في داخاو، ويجرون وراء عمال الغزل والنسيج في المرحلة الكبرى وكفر الدوار وكرموز، وراء طلبة الحقوق والطب وسائر العلوم على ربوة العباسية الثانوية في محرم بك. دباباتهم الصفراء الصغيرة عارفة بنواياها، هم أنفسهم يضربون بالرصاص من البنادق الطويلة القديمة الطراز، فيسقط المئات في الساحة الفسيحة أمام قصر الشتاء في بطرسبورج القديسة، ويذهبون بلا جدوى، تصفر سياراتهم السوداء المسدودة أمام السوربون في مايو العظيم، ويجرّون بمقاودهم الجلدية الكلاب مدربة الشراسة فتنهش سيقان السود في جوهانسبرج أو المسيسيبي على السواء. وسوف أعرف بعدها بسنوات، أن الإنجليز قتلوا مئات من البحارة الثائرين الذين انضموا إلى جيش التحرير في اليونان، وأسروا الباقين حتى انكسرت على شواطئ المتوسط؟ أحقا ذهبت كلها، بلا جدوى؟

شباك الصيادين مفرودة على حجر الكورنيش المنخفض، مغسولة تفوح برائحة السمك، تنتهي بالثقّالات التي تمسك أطرافها، وتوحي بشكل ما، بآلات الهارب الموسيقية التي تعزف أنغام البحر العميقة. وقد ركعوا تحتها، بأجسامهم الناحلة المفتولة، وطيّات اللباس الاسكندراني الأسود ملمومة تحت جذوع السيقان الجافة، يرتقون قطوعها بإبر طويلة تومض عندما ترتفع وتنخفض بين فتائل الشبك.

القارب الصغير، مشدود الأضلاع، كأنما يتأرجح على سيف البحر، عند الخط الفاصل بين الرمل والماء، يمسك دفته القرد الإلهي العاقل، مدموك البنيان. أهذا القارب هو الذي يمضي بي، في هذه الحياة على شط البحر، وهذا الحيوان الإلهي هو الذي يسيّره؟ حيوان يقطن في داخلي ويتجسد الآن أمامي.

القامات الأنثوية الرشيقة بنات الإسكندرية، بنات البحر الأبيض، عبرن بحياتي، لكنهن لم يذهبن سدى، بل باقيات، ماثلات، معي على هذا الخط الحرج بين أبدين لا بداية لأيهما ولا نهاية. أراهن في عكس النور، قامات مجسمة سوداء، والنهود ثمار أخرى لامعة الجلد، ناهضة بعصارتها الكثيفة المتماسكة.

تنزلق الحمائم الداكنة منسكبة، بالكاد تماما على سطح البحر.

هل نزل البحارة بخناجرهم العريضة، وذهبوا بهنّ إلى سفينة القراصنة، جوانبها مصفّحة برقائق الذهب، غارقة محمّلة بالكنوز التي ليست إلا كلمات باهتة، هل هي كنوز من هباء متطاير؟

ما الذي يهفهف خلف القلعة العريقة التي لا يكاد الزبد نقّى البياض يرغي تحت سفحها؟

أراه من فوق حافة كأس "ماري الدامية" وأوقن أنه ليس ثم شئ.

كل شئ سوف ينقلب بين لحظة وأخرى إلى نقيض ما يبدو عليه.

القارب السحري مركب سمك فقير عاد به الصيادون إلى المرسى بعد كدح ليل طويل في قبضة الموج. تتزاحم بنات الأنفوشي و بحري ورأس التين عليه، والستات التخان بالملايات السوداء النازلة من على الأكتاف المدورة، تبدو منها قمصان النوم غير النظيفة تماما، عارية الأذرع والنحور، ليأخذن منه بالرخص شروة سمك ملء القفة، ملء الحلة من السبارس والشر الصغير، أو ملء الكروانة جمبري عاجي الجسد.

السفينة السحرية شراع مبسوط في نسيم الصباح، فرد جناح حمامة بيضاء، تحلّق وحدها في سماء الإشارات والمجازات، والاستعارات، سبحة صبابة، وجد لن يبقى منه أثر.

أترقب وأتوجس خيفة من الزوال والدثور، ملهوفا أمام دوران دراما لا سيطرة لي عليها، لا أدري عم تتمخض في أي لحظة، أحس رفرفة في داخلي لا أعرف أن أهدئها، ولا أريد أن أطامن من روعها.

وأعرف أن هذا كله قرين البلى، وأن العطب لا محالة مدركي، والتهلكة.

ولكن هذه التهلكة هي كل نصيبي من البقاء.

موسيقاي تعلو وتذوب على جدران الروح. بائع الصحف أمام حلواني أتينيوس، على البحر، يمد لي يده أبدا بصحيفة من غير تاريخ هل هي "تشاودروموس" باليونانية، "البروجريه اجيبسيان" أم "الأهرام"؟ قشعريرة نار الندى سورة حميّها اليأس والطلب والشجى معتم النيران، جاتوه "ميل فيي"، وأصابعي المشغوفة ترسم نداءها على وجنتيك ألف مرة، وتقف على حفافي شفتيك، المحطة الأخيرة في كليوباترا الحمامات، وربوة سيدي جابر الصخرية، البكر، قبل أن تمتد إليها أيدي التنسيق والبناء، تزحف في شقوقها القواقع بأجسامها الهشة التي لا مناعة فيها، وراء صدفة من الاحتياط، قناع من التمويه لا يخدع أبدا، توكاتا وفوج باخ عمل 545 مقام فاكبير، نباتات متلوية على جانبي عنقك المبتل بماء البحر، هذيان السكر بموسيقى جسدك المتموج في المياه كأنه تجسيد لهذه الأمواج نفسها، شفتاي على الندبة الصغيرة تحت أذنك اليمنى. أنت معي، لا اختيار لي. يا بنت إسكندرية، يا بنت البحر، الواحدة مهما كنت كثيرة. كثيرة عليّ. تلجئينني إلى الصمت. هل هناك في الآخر إلا الصمت؟ مهما ظلت أغنياتي الاسكندرانية، وترانيمي لبحرها، صادحة إلى أبد الآبدين.

على الكورنيش في آخر رشدي باشا، سلالم حجرية – أحسها الآن تحت قدمي – منحوتة من البازلت، تنحدر إلى أول شاطئ ستانلي.

على شمالي، وأنا نازل السلالم:ساحة صغيرة أمام كازينو رشدي الخاوي دائما حتى في عز الصيف، وإلى يميني جدار عالٍ عريض، مصمت، يسحرني، ليس فيه نافذة أو فتحة من أي نوع. في لون الكريم، تنمو عليه وتلتصق به تعاريج نبات داكن الخضرة، نضر، كثير التفاريع. وهواء البحر يسفعني.

أجد فجأة أنني أصعد، بسرعة، هذه السلالم الصخرية.

وأجدها فجأة ضخمة جدا، شاهقة، وعرة المرتقى وخشنة الملمس، حوافها المدببة تحوطني من كل جانب، وقد أصبحت الصخور أعرض وأكثر تهديداً وخطراً كلما ارتفعت. لا أنظر الآن تحتي، ولا ورائي. مازلت أتسلق هذه الوعور الفسيحة الضاربة في السحاب، البحر، تحت، سحيق، وأمواجه لا صوت لها الآن، الزبد الأبيض يبدو زخرفيا، أو غير مقنع، غير حقيقي.

وجدت أنني وصلت إلى ذروة سامقة في قلب السماء، ومازلت معلقا بين البحر وهذا النقاء الذي لا يطاق.

في العالم صفو الأبد كأنما برِئ من الزمن، وأنت، أيتها الاسكندرانية الصغيرة القد منمنمة القسمات، كأنك بنت مازالت خاماً، وفيها جفاوة العذرية المغلقة كصبّار غض الشوك، يا بنت هذا البحر الغامض المقلق هل منه اكتسبت هذا الغموض، وهذا السر؟ أشجار النخيل السلطاني الطويلة المسحوبة بيضاء القامات، لها حفيف بارد في ساحة جليمونوبولو المستديرة، أطل عليها هكذا من هذا العلو الشاهق.

لا أستطيع أن أهبط، شُلّت قدماي. وقفت لا أتحرك واليقين قد استبد بي إنني سوف أتعثر، فأتدحرج إلى حضن البحر متقلبا ممزق الأطراف على هذه السلالم الحجرية الشاسعة، شائكة الأطراف. قاتلة، هو ذا البحر يأخذ ثأره أخيراً.

في تلك السنة أجرّنا كابينة في مصيف "أصدقاء الكتاب المقدس" في المندرة. وكان للمصيف سور منخفض من الطوب الأحمر حول أرض واسعة ناعمة الرمل. يطل على البحر، وكنت أحب أن ألعب تحت النخل العجوز العفيّ خشن الحراشيف، بين الكباين الخشبية المتناثرة من غير نظام، وأن أنظر إلى عناقيد البلح الأخضر المدور تقريبا بغضارته الكثيفة تحت السعف العريض، وهو يهتز مع هبّات هواء البحر، بأطرافه الشوكية المسننة على زرقة السماء التي تكاد تكون بيضاء. وكانت الفراخ تجري وتنقّ وتلقط أكلها من الرمل تحت النخل وحول الكباين، وتهرب منا أحيانا في اتجاه شاطئ البحر المفتوح. وكنا نقفل الباب الخشبيّ في السور، عندما نجري ورائها، أنا وأمي، لنمسك واحدة. وتذبحها أمي بالسكين الحادة التي تومض في الشمس، وهي تقول "بإسم الصليب، وشارة الصليب كاك كاك، إلهي يصبّرك على ما بلاك" ثم ترمي الفرخة على الرمل تصفي دمها وهي تجري قليلا ثم تسقط وأجنحتها تتخبط بجسمها.

وكان أبي يأخذ حمّام الصبح مع أمي، مبكرا جدا قبل القهوة، هو بالمايوه الأسود الطويل الطويل كالفانلة، وجسمه كالعود مشدوداً، ولع عضلات جافة ونحيلة. وهي بالمايوه القماش، غامق الزرقة، مقفل تماما، له أكمام قصيرة مكشكشة عند أعلى الذراعين وينزل إلى الركبتين، وكانت قد فصّلته وخيّطته بنفسها على الماكينة السنجر القديمة رفيعة البطن التي بهتت الكتابة الذهبية عليها، قليلاً.

وأجري معهما، وأنا لما أكد أصحو من النوم، بالشورت الأبيض والقميص الخفيف، نعبر الكورنيش لامع السود من أمام المصيف مباشرة، هواء البحر البارد بعد كِنّ الكابينة ودفئها يصدم وجهي، والسيارات قليلة جداً في هذه الساعة، وننزل إلى الرمل الواسع المتحدّر، وليس فيه ولا شمسية، ولا أحد، واقف على حافة الماء وأنتظرهما حتى يعودا من البحر، وعلى ذراعي الفوَط الطويلة كثيفة الوبرة.

لماذا لا أرمي بنفسي في خِضمّ البحر؟

لماذا أقف على الخط الحرج دائماً، أرقب تقلبات البحر، أتأملها، وأعيشها فقط في داخلي؟

لا أستطيع أن أزعم أن ذلك قدر.

فهل هو حقاً اختيار؟

فكيف يمكن – هل يمكن – كسر هذه الصدفة الصلبة، عند شاطئ مرسى مطروح؟

الصخور المعوجة شاهقة قشرتها اليابسة المتحاتة تتحدانا:

ضربات السحب المشتعلة بشفق أصباح وأماس لا عداد لها.

ارتطمت بها بلا نهاية أمواج الدهور حفرت في سطوحها تجويفات غائرة ومحدّبة ومتعرجة الأقواس. جحافل قمبيز لم تنل منها ولا فيالق الاسكندر وطأتها في الطريق إلى معبد آمون. انهارت الأعمدة سقطت تيجان اللوتس الحجرية عناه وذبلت في أجساد شبقة وأنين احتضار تحت حواف ناتئة جارحة السنان. انسكب لبن ألف أتان كل يوم مزبداً برغوته جلوة المذاق بين حيطان صلبة نعّمتها أيدي ألف عبد أسود. سيقان ملكة الإسكندرية تلمع في زبد اللبن وزبد الموج، وقد جاءت الآن إلى حمّامها البعيد عن ملاحم الحرب والحب والمجد والإحباط.

ويدور الصخر فوق الكتل الشظايا.

حروف الجرف بعد الجرف ناتئة ومخسوفة ومائلة ومنتصبة، فوق شفافية لازوردية لا يستطيع أن يلوثها بنزين الأتوبيسات السياحية المحملة بالعاملات في الشركات والهيئات والمؤسسات محجّبات سابلات الثياب طويلات الأكمام معنمرات بالعمامات الحديثة الطراز والعقالات الخليجية في الشوارع وعلى الشاطئ العالي أصحاب اللحي والجلاليب القصار على أبدان سمينة ومتينة وبذيئة الصحة وجَهمة الحضور.

على سطوح الشعاب الجبلية الكتابات باللاتينية واليونانية والعربية ورسوم القلوب المضروبة بالسهام الساذجة وهيروغليفية الصقور والثعابين المتموجة وريش مَعت وديموطيقية الصلبان العتيقة والذكرى ناقوس يضرب في وادي النسيان فلعل الرسم يبقى بعد فناء الجسم. لكن البحر لا يمل ولا يبالي في الوقت نفسه.

جوْن الخليج الأزرق لا مثيل لصفاء مياهه تحت الأكمة الشاهقة التي يتلوّى عليها ممر نازل ضيق ألفِيّ مهدته أقدام المغامرين والمتكشفين والمحبين الباحثين عن ملاذ يأوون إليه بحبهم المهدد باستمرار بشروخ ضاربة في لحم الصخر.

شقوق مشرّجة ومتشعبة لا تلم لها وشائج بل هي غير مشروطة إلا بأشواق حجرية لا ينتهي خشوع ترتيلها لآلهة متعاقبة متراوحة الرحمة حيناً ولا شفقة في قلوبها في أغلب الأحيان.

ارتمت الأمواج الدهرية تحت تماثيل شاهت الآن وأمحت شكولها واحتضنت تموجات الجفاف وارتضت جمود التواري وراء صلابة الصمت ويبوسة النسيان.

سحب بيضاء ذيول مفرودة كطاووس أبيض في السماء.

سماء الروح التي لا تريد أن تنطفئ.

تتلقى هذه السحب، دون توقف، طعنات ثابتة من الأعمدة الخرسانية التي تنتهي بشعث من الحديد المسلح متلويا ومعوجا، ضاربا في الزرقة البحرية الساجية لهذه السماء الاسكندرانية التي لا مثيل لها.

كان الصبح العالي مختبئاً وراء السحاب الأبيض، مازلت أحس أنفاسه، والشمس تتخايل تخترق الحجاب ثم تتوارى. أحس دفق ماء الشتاء الصاحية في جسمي سعيداً سعادة فيزيقية بحتة، بمجرد المشي السريع على الكورنيش في مواجهة الهواء. يؤنسني وشيش مياه البحر تصطدم ناعمة، بصخر الشاطئ عند جليمونوبولو، لا تتوقف، كأنما تثبت بإصرارها ودوامها، رسالة تهدهد من هواجس قلبي.

هواء البحر القوي يصطدم بوجهي، ضممت ياقة معطفي الواقي من المطر حول وجهي متلمسا دفء الفرو الداخلي، والرذاذ يصعد إلى من خبط الموج على الصخر. كتل الحجر الرازحة مغطاة بالطحلب المبلول داكن الخضرة تحت.

هل أجد في غضون ذلك كله أليجورية ساذجة إلى حد ما؟

ألا أنتهي من الاستعارة والتشبيه؟

أم أن هذا هو جوهر المسألة كلها؟

ليس البحر الأبيض المتوسط عندي مجرد أليجورية، واقعة الصلب – على كل اتساع مياهه – يستعصي على أن يستحيل إلى مجرد لعبة فنية، مهما كان في هذه اللعبة من جدية صارمة، لا حد لجديتها.

السماء بلون الكوبالت الأزرق العميق في الغسق، لماذا يسحرني لون الغسق؟

أنذير الغياب والفقدان؟

أم نعومة التسليم لضياع الجسد الوشيك؟

أسمع سعف النخيل السلطاني على جانبيّ محطة الرمل القديمة، يهفهف. مازالت تخايلني حتى الآن. هذه المحطة القديمة، وكشك ناظر المحطة الخشبي المسقوف بالقرميد الأحمر الداكن، فيه دفء كفاءة مفقودة، واحترام الدقة التي ولّى زمانها.

أجلس في "كازابلانكا" في الدور الثاني، وراء النافذة الزجاجية العريضة. الغيم في سماء الصبح البدري ينزلق فوق البحر البعيد، انتظر كقلب واجف أن تعبر نعمتي، أمام المقهى.

صغيرة الجسد، موسيقية الخطوة، مرهفة الخصر حتى تكاد تطوقها أصابع يدي، فستانها الأصفر الفاتح فريد في لونه ونسيجه وفي أناقة انسيابه على القد الرشيق البض معا، ينوس على الساقين بسمانيتهما الممتلئتين، كاملتين في دقة سحبتهما، كاملتين في دوران خرطتهما، إيقاع مشيتها عندئذ يتردد الآن في ساحة روحي التي أظنها قاحلة خاوية حينا، وأراها حينا مزدحمة مثقلة بكراكيب الذكريات وأنقاض السنين.

أمازلت انتظر عبورها؟ وهي المقيمة؟

لماذا أجد أنها رسالة رؤياها البحر، مهما كانت تقطن في أفريقيا؟

لست واثقا أنني سوف أرى الآن من تعزّ، بل تستحيل. بل أعرف أن ذلك لن يحدث، مع أنه قد حدث، في فترة ما لا انتهاء لها، على شط هذا البحر.

أهذه شذرات ممزقة أسمع حفيفها من الداخل ولا أرى لها أثراً؟

أنا الآن في السابعة من العمر، مازلت وحدي، في "أبو قير" على سيف البحر، في وسط خليج صغير، مملوء بمياه شفافة بلورية النقاء، تترقرق فيها خطوط متعرجة كأنها مرسومة بقلم متحرك رقيق، تذهب وتجئ بنعومة بين الصخور الصغيرة اللامعة التي تنحسر عنها المياه فتجف بسرعة ثم تعود فتبتلّ.

سرعان ما غاب المايوه الأزرق الباهت الذي كانت ترتديه فيكتوريا – كنت أحبها – وكانت ممشوقة القوام جميلة، أنثوية وكأنها ليست من هذه الأرض، أصبحت الآن نقطة بعيدة في البحر الواسع. وكانت أمي قد سبقتها إلى ما بعد البراميل، فلم أكد أراها بين ما تثيره الأمواج من زبد قليل.

كنت أقف في وشل الماء الصافي قليل الغور، وأنظر إلى الجسر الخشبي الممتد إلى داخل البحر على أعمدة مستديرة قصيرة من الإسمنت اللزج تنتفض عليه طحالب خضراء شفافة، تلعب في الماء، وتهتز، مخلوقات حية، ثم تخرج من سطح الماء مبللة ممتزجة الألياف، ثم تجف فجأة وتصغر وتصبح يابسة كالورق القديم، بلا حراك.

ولم يكن هناك الآن، في الظهر، من يقف على الجسر بأعواد البوص وجرادل الجمبري والدود الصغير طعم الصيادين الهواة، فقد كانوا قد انصرفوا، وتركوا كل شئ وحده، كان الجسر يمتد بخشبه الجاف بعيدا إلى داخل البحر لا ينتهي إلى غاية.

كانت الوحشة على الشاطئ كاملة، لم يكن هناك أحد من المستحمين في هذا الظهر الهادئ، وكانت الشمسيات المتناثرة المتباعدة قديمة الألوان، تلقي بظلها على المقاعد القماشية المفتوحة الخالية، وحتى حارس البحر، بصفارته النحيلة الصوت لم يكن موجودا.

كنت وحدي لا أعرف كيف أدخل البحر الواسع العميق المخيف الساحر، ولا أعرف كيف أرجع عنه، مازلت أقف – وأنا في هذا العقد الثامن من العمر – أقف هناك على شاطئ البحر الذي أحبه ولا أفهمه.

كنت ومازلت أذهب، في مضض هذا الحب الذي لم أكن أعرف كيف أحتمله ولا أعرف كيف ينتهي، إلى كازينو كليوباترا، وأقضي ساعات بعد الظهر المبكر أنظر إلى البحر، وأحلم أحلاما مضطربة، أحاول أن أقرأ رواية، أو أنتظر صديقا قبل ميعاده بكثير، أو أقرر، خلال ساعات، هل أذهب إلى سينما، أي سينما، أم إلى قهوة الفريسكادور أو باستروديس في شارع سعد زغلول، أو سان جيوفاني في ستانلي، لمجرد أنني لا أطيق البقاء بين أربعة حيطان وحدي.

لا غفران أبدا لقسوة العالم، على هذه الشواطئ، وعلى كل شواطئ العمر وشواطئ الأبد، قسوة نهائية مطلقة، لا شئ يرجحها، أو يفسرها. ونبض دمي يضرب في الوحشة والصمت. ما أشد الإيجاع... الدموع لا تجف ولا ترقأ، ولا تعني أحدا على أية حال.

إذا كانت هذه القسوة سمة من سمات هذا البحر، فإنها – كالحياة نفسها – لا تتنافى مع حيوية نابضة متجددة تستقي مياه وجودها من عراقة الأرخيولوجيا وحداثة الواقع المعاصر معا، حيوية نابعة من ثقافات قديمة ومتنوعة تشكل نوعا من الهوية المشتركة فيها تناغم وفيها تناقض ولكن ليس فيها مونوليثيه مصمتة قالبية، هذه الهوية تدخل فيها آثار تراثات عريقة، لكن لم يعف عليها الزمن، ليست فقط تاريخية بل هي مازالت فعالة، مازالت تملك شحنة قوية من الطاقة.

انطلقت قريبا جدا مني على الشارع الضيق بين شاطئ المكس وحائط القلعة القديمة المهجورة، عربة حنطور مثقلة بالعساكر الأستراليين، مكومين فيها ومتدلين من جانبيها ومعلقين بمؤخرتها، بقبعاتهم المدوّرة العريضة وجثثهم الضخمة الشاهقة، عملاق منهم أخذ مكان العربجي الذي انحشر جنبه فارغ اليدين مسلّماً أمره لله، والعملاق أخذ يفرقع بالكرباج فوق ظهر الحصان، فراح يعدو كأنه قد جمع بالعربة المائلة إلى جانبها بخطورة، والأسترال يصفّرون صفيرا ثاقبا يائسا ويصرخون باستماتة: ها.. شي.. شي، بأعلى أصواتهم، في صمت الشارع الخالي في عتمة المساء، ذاهبين إلى موتهم في "العلمين".

بعد أنقاض البيت الذي سقط عليه طوربيد طلياني، السنة التي فاتت، وتكومت أحجاره القديمة وترابه وخشبه، ونبتت فيها عناقيد ملتفة من النباتات والحشائش شكلها، في العتمة، مهدد، كانت رائحة البحر دافئة.

كانت مصابيح النور الزرقاء متباعدة وأبواب البيوت مفتوحة ومظلمة كأنها لا تغلق أبدا، ورأيت جماعات صغيرة من العساكر الأمريكان السود الضخام، والإنجليز الشقر ناحلي القامات، وعددا قليلا من أهل البلد بالجلاليب والبلاطي الخفيفة أو البنطلونات، معظمهم كبار في السن جدا، يخرجون ويدخلون البيت بصمت وسرية.

حضور هذا البحر قوي وصوت أمواجه تضرب حجارة الرصيف رتيب وعنيد، نزلت جماعة صاخبة من عساكر الأستراليين، بقبعاتهم العريضة الواسعة، من عربة حنطور وقفت أمام كازينو "زفير"، وهم يصفّرون للبنات والنسوان بملاءاتهن المحبوكة على الأرداف، ويهتفون دون جدية ودون اهتمام تقريبا:

"Come on, Luv," Fantazia "Come on Bint.."

صياد فارع وشاب محروق الوجه ووسيم وأزرق العينين، مازال – وحده تقريبا – يقف أمام بضاعته التي خرج بها، بعد طول عناء، من الأعماق المظلمة، ينحني على طشت كبير وعميق ملئ بماء البحر، تخبط في جدرانه النحاسية المستديرة ترسة ضخمة، محبوسة وحيّة وبطيئة الحركة.

الترسة تواجه الآن، في الحبس والقهر، مصيرا خانقاً.

أتصور أن للبحر الأبيض ثقافة وفعالية تتسم، إلى جانب القسوة والصراع، بميزات أراها متوسطية بامتياز، هي بالتحديد، الاحتفاء بجمال الحياة ومسرات المعرفة، والنشوة بالحب، ووضع المطلق المتسامي، الصحراوي أو الجبلي أي الحار العنيف أو الصخري السامق، في مقاييسه الإنسانية، إن "المتوسطية" لا تروّض المطلق الوحشي ولا تدجنه، بل هي تؤنسنه، تجعل من ألوهيته وضعا إنسانيا، أي توحد توحيدا كاملاً بين الإلهي والإنساني، هذا هو ميراث الأرثوذكسية القبطية الاسكندرانية، في مواجهة صلَف الكبرياء الإلهي الجرماني مثلاً، أو في مواجهة انسحاق البشري الهندوكي مثلاً، في الوقت نفسه.

ليس الأوليمبوس بعيداً عن شواطئ المتوسط، وما يدور فيه من مكائد ودسائس وعربدات إلهية هي أساساً على المقياس الإنساني، وليست الهيلينسية الاسكندرانية بعيدة عن النقاء الأثيني الملتبس بين مثالية أفلاطون و"موضوعية" أرسطو.

وإذا كنت أحس أنني – حقاً – حفيد كاليماخوس، وأبولونيوس، وثيوكريديس، شعراء الموزيون السكندري العريق، فذلك أنني متوسطي وصعيدي في الوقت نفسه، وثنيّ وقبطي معاً، مصري وعربي معاً، والمتخيل المتوسطي عندي هو تلك الرومانسية الصارمة، وتلك النشوة الرعوية التي لا تغمض عينيها قط عن الهموم اليومية، من غير أن تسقط في ابتذال اليوميّ العارض، وذلك البحث الدائب عن آفاق غير مسبورة، هؤلاء الشعراء المتوسطيون هم الذين كانوا أسبق إلى تناول ما هو أرضىّ وسامٍ متعالٍ، ما هو واقعي وما هو أدخل في باب السر وغير المتوقع وغير المعروف معا، وإذا كانت صعيديتي الحارة العارمة المحوطة بالسر والغموض تغلب متوسطيتي أحيانا، فمازلت أبحث عن توازن محكوم عقلي وعن تدفق عفوي متتال في وقت معا.

ومازلت أحس بالقربى الوثيقة بين اسكندريتي – واخميميتي – بين تامودا (تطوان) وطرابلس، بين تيباسا وتابارورا (صفاقس) بين توجلوس (جسر الماكينة) وأوجستا تورينوريام (تورينو).

مازلت أحس بالقربى الوثيقة بين الملحميّ والشائع، بين الصرحيّ الشامخ واليوميّ الأمين الصامت، بين السريّ الملغز وضوء المتوسط الساطع، بين المنمنمات الأرابيسك الذاهبة إلى اللانهائية وبين الخرطوشة محددة الخطوط المغلقة على حدودها سواء كانت هي الفرعونية أو البطلمية التي هي أيضا ملكي وميراثي.

مازلت أحس بالقربى الوثيقة بين الأبصاليات والذكصولوجيات القبطية التي ترتل في تمجيد الرب ومدح العذراء في بهجة الأعياد، وبين مقامات البديع الهمذاني التجريدية الشكلانية. فيما يبدو لأول وهلة، وبين أشعار الحلاج وابن عربي ومخاطبات النفري، التي توشك أن تكون ملغزة عيية وما أعظم إعجازها وفصاحتها في وقت معا.

على ذلك الحد الدقيق بين الوضوح والإبهام يقع المتخيل المتوسطي عندي.

أي بين القاعدة الذهبية، والتوازن المحسوب والتعقل المنطقي من ناحية، وبين الجموح والاندفاع والجنون من ناحية أخرى، وفي الآن نفسه.

فإذا كنا نذكر أبولون فلعلنا لا ننسى ديونيزيوس ولا العربدات الأورفية، وإذا كنا نذكر أرشميدس وبطليموس الجغرافي فلا ننسى قسوة الرهبان النساك بين حفافي المتوسط والصحراء، ولا ننسى الصوفيين والدراويش ومجانين الله.

ذلك أن للمتوسط بعدا إفريقيا لا يقل أهمية عن بعده الشمالي.

ما أشد رهبة هذا اليم، وما أقوى دعوته وغوايته، عذوبته لا تضارع.

سرت على الرمل المبلول متجها إلى هذا القبر الطامي بكتل الماء الضخمة السوداء، حتى وصلت إلى الشط، وكان تصميمي ثابتا وكأنني في غيبوبة، وكانت أمامي خطوة واحدة.

أتخيل عالما كله لحظات حادة ولامعة.

كحد سكين.

قاطعة.

ليس فيه لحظات مترهلة مجوفة سميكة الجلد.

ليس فيه عجين حامض خمران.

أريده.

عالماً لا يطاق.

كأن حبيبتي – هل هي اسكندريتي أم هي امرأتي الواحدة المتعددة معاً؟ - لم تغرق تماما في لحم جسمها. ذهبت إليها طافياً على غمر هذا الجسد.

فكأن جسمها سوف تترقرق على سطحه مياه البحر غير المرئية.

سكبت نفسي على جوارحها الناعمة.

سوف أقول: عينان كأنهما زهرتان منورتان طافيتان على ماء الشاطئ وأبو قير وجليمونوبولو.

عبق ماء البحر الملح، نفث سمك ذفره يتضوّع.

الصَدفة التي رأيتها، ذات حلم، وردية اللحم، داكنة، حجرية اللزوجة، متماسكة وطرية، على شاطئ جسمي الرملي، مازالت ماثلة، لا تغرق ولا تجف.

ليس فيه دعوة، ولا مجئ ذلك البحر قائم، لا يحول، وتلك التي معي. هما البدء الذي لا يزول ولا تدور به دورة ما. البدء أصلا قائم دون أن يكون ماضيا ولا حاضرا وليس له مستقبل.

هو "الآن"، فقط، دون أدنى حس أنه "الآن".

عصا سحرية قد محت عنه المستقبل الذي أصبح فيما بعد والذي لم يطرأ قط. بعد ما كانت معي وكان هناك سلام، ونور الصبح الرائق.

جئت من "محرم بك" مشياً، إلى "محطة الرمل"، تركت ورائي أحزان صباح ثقيل السحاب في سماء الإسكندرية الفضية، المقفلة على نفسها فوق البحر، وعبر "السلسلة"، وقفت عند "الشاطبي" تركت الكورنيش، ونزلت على سلالم متعرجة منحوتة في الصخر المتآكل الزلق تحت قدمي، كانت السلالم تغوص في مياه بحرية هادئة، ويهتز موجها في دوائر تتسع حتى تصل إلى حافة جدران الصخر فتصطدم به بخفة، رغوتها متقلبة الزبد. وتحت قدمي العاريتين، بالضبط عند التقاء الماء بالصخر، طحلب مخضر كث الوبرة، مخضل بالبلولة اللزجة، إذا انحسرت عنه موجة الماء الشفافة، هفهافة القوام. جفّ الطحلب بسرعة واصفر لونه قليلا ونشف الماء تماما، يبيض جسد الطحلب شيئاً فشيئاً، فإذا هو غض وناعم وأملس يلتف بلدونة ملتصقا بحافة الصخر الدائرية، حتى يرتفع الماء فجأة، ويلطمه برفق، فيبتل من جديد، ويعود أخضر غضراً كثيف اللحم.

هل هذا الطحلب هو كتابتي؟

النور يأتيني من فتحة علوية واسعة منقورة في السقف الحجري مضطربة الحواف، فيغمر الاتساع الداخلي المحصور بين صخور مشققة عليها طبقات بارزة قليلاً متلوية الخطوط بلون أكثر صفرة كأنها هشة ومتماسكة بالكاد، وينفتح إلى جانبي في الجدار المحبب، نفق منحدر نصفه العلوي القريب مني جاف، مدوّر، أرضيته رملية مفروشة بقواقع بيضاء صغيرة وكبيرة، ثم يهوى النفق، وأهوى معه، إلى الماء، وتلتطم الأمواج فيه ويرتفع سطحها المتراوح المرتطم ويضيق حيز الفراغ فوق الموج حتى يغوص النفق تماما في الماء الذي يملؤه، ويغمرني حلم لونه أزرق داكن، و أغوص حتى العمق المدفون الذاهب إلى تحت في ظلمة القاع.

أسمع هدير المدفع الضخم على السلسلة في الشاطبي، مرة واحدة، فيدوي الأفق بصدى ملئ مكتوم على حافة الشفق المصمت.

القمر ساطع على موج متراوح متناوب الزبد، وشبح السفينة بعيد، يسري بلا صوت، كأنما من غير محرك، من غير بحارة، من غير بوصلة ولا دفة، لكنه كأنما يعرف طريقه.

روح مسكوبة، نازفة، مفتوحة بلا أسوار.

غرابة التماس اللصيق الذي لا ينبع عن دخيلة هذه الروح.

عين الجسد المظلم تطل على أفق خاص بها، وحدها.

 

Copyright © 2006 - Ramses² - Tous droits réservés